كلمة السر: الالتزام

فكرة” الالتزام” كفكرة مجردة، تبدو محددة جدًا: أن تلتزم بفعل شيء معين، وتنجزه حتى النهاية، تُنهيه على الرغم من كل شيء، تركز فيه وحده دون غيره، تعتبره المهمة الوحيدة التي تقف أمامك كحجر عثرة، وعليك أن تنهيها. إن ذلك يُدربك على إنهاء المشاريع الناقصة في حياتك، يُعلّمُك ألا تترك أبوابا وراءك دون أن تغلقها. جاري كيلر وجاي بابسان نشرا كتابا شهيرًا عن هذا الموضوع بعنوان” الشيء الوحيد“، وهو كتاب مهم جدًا، وحاصل على تقييمات عالية على موقع الجودريدز.

هذا الالتزام يمكن تنفيذه على عدة مستويات:

إكمال كتاب بدأت في قراءته.

إكمال مسلسل أو فيلم.

إنهاء مهمة عمل تتطلب منك إنجازها.

مهما كان ما تنجزه صغيرا وتافها؛ فهو مهمٌ على المدى البعيد، وفكرة الالتزام متعلقة بشكل أو بآخر بفكرة العادات، وتكوينها على مهل، وقد تكلمتُ عنها في تدوينة سابقة، عندما سردتُ قصة جيمس كلير في عُجالة.

أعترف لكم أني من عُتاة المسوّفين والكسالى في هذا العالم، ولستُ فخورًا بهذا، وأعرف أن كثيرين مثلي، يُمارسون الكتابة بنصف قلب ونصف عقل، وهو شيء لا تقبله الكتابة نفسها، والتي تحتاج إلى التزام من نوعٍ خاصٍ، التزام لا يكسره إلا ظرف طاريء.

والحقيقة أنى أُحاول كسر هذه اللعنة، وتفتيت تلك الخصلة السيئة منذ فترة، وأعتقد أنى نجحتُ أخيرا، وفي سبيلي لأن أقضى عليها نهائيا.

وذلك عندما أنهيتُ أخيرا رواية” مطلوب عريس غير ممل“، التي تأخرت في إكمالها لفترة تزيد عن سبع سنوات، وهو أمر مستفزٍ ومخزٍ لرواية ذات حجم معقول، وليست الحرافيش مثلا، أو ثلاثية نجيب محفوظ.

أتكلم طبعًا عن الحجم، ولا أقصد المقارنة من حيث الجودة، كما ترى فإن الالتزام شيء أفكر فيه كثيرًا؛ ذلك السرّ المدهش الذي يجعل السائرين يُكملون سيرهم في طريقهم، بغضِّ النظر عن المعوقات التي تقابلهم.

على ذكر نجيب محفوظ؛ فقد كان يعتبر الكتابة قدس الأقداس بالنسبة له، وقد اضطر في مقتبل حياته أن يختار بين الفلسفة وبين كتابة الرواية؛ فاختار الأخيرة؛ برغم أن الرواية العربية قبله لم يكن لها وجود أصلا إلا في نماذج قليلة جدًا، وبالتالي فهو يخطو إلى منطقة بكر؛ فما الذي يجعله يُقدم على ذلك؟

قد يكون الحب، وقد يكون” الوعى والرغبة الجارفة” في رصف هذا الطريق الخشن، أو ربما.. الحقيقة ليس المهم الآن لماذا اختار نجيب هذا الطريق، المهم هنا أنه التزم بتنفيذه، بعيدًا عن البواعث النفسية المُحرّكة له.

وربما نرى التزامه الدقيق والباعث على الدهشة والاحترام والإعجاب عندما تعامل مع الكتابة بروح الموظف، والسبب في هذا أن لديه العديد من الهوايات؛ مثل لعب كرة القدم، مشاهدة السينما، مقابلة الأصدقاء؛ فكان يرى أن التنظيم الدقيق هو السبيل الوحيد لكي يفعل كل ما يحبه.

عندما قرر أن يكتب رواية” بين القصرين”(والتي تحولت إلى ثلاثة كتب؛ بسبب ضخامتها)، قرر أن يتفرغ لها، وأن يصنع لكل شخصية ما يشبه الملف الذي يحتوى على شكل الشخصية وخلفيتها النفسية، وغير ذلك من التفاصيل، وبرغم أن نجيب كان لا يكتب إلا من شهر أكتوبر إلى أبريل فقط، بسبب الحساسية التي تُصيب عينه؛ إلا أنه التزم بإنجاز ذلك العمل الضخم حتى النهاية.

هناك التزام من نوع آخر، وأعتقد أنه متعلق بالكينونة، بأن الكتابة هي من تُحدد شخصيتك، وأنت- من خلالها- تحدد العالم بدورك.

هل كان ستيفن كنج من ذلك النوع من الناس؟

لا أعرف، كان الرجل يمارس الالتزام بشكل يبعث على الحيرة؛ فهو في المراتب المتقدمة لأكثر الكُتّاب ثراءً على وجه الأرض، وبرغم المشاكل الصحية التي واجه بعضها من قبل( من ضمنها التهديد بانفصال الشبكية وإصابته بالعمى)، إلا إنه يستمر في الكتابة، ويُصدر كل عام كتابا أو كتابين وربما أكثر، وهى كتب كبيرة ضخمة، حتى أنك تتساءل: أين يجد ذلك العجوز المُبهر وقتا لكي يكتب كل هذا؟

الطريف أن ستيفن كنج كان قد ألزم نفسه من قبل بكتابة ألفي كلمة كل يوم، وعمنا نجيب محفوظ نفسه ألزم نفسه بالكتابة لعدد ساعات معينا طوال خمسة أيام في الأسبوع من السبت للأربعاء.

يبدو أن العلاقة بين الإلزام والالتزام هي علاقة وطيدة، تبدأ بأن تُلزم نفسك بالشيء، حتى يصير التزاما، عادة، شيئا لا بد أن تفعله.

قد يكون الالتزام متعلقا بأسباب أخرى؛ فمثلا عندما ضجر آرثر كونان دويل من شخصيته الشهيرة شارلوك هولمز؛ قام بقتله، وهنا قامت الدنيا ولم تقعد، وأجبرته رسائل الجماهير الغاضبة على إعادة الشخصية للحياة مجددًا.

قد يكون الالتزام متعلقا بفكرة أبسط، وهى مفهومة جدًا في إطارها الإنساني، وهى أن يقوم الكاتب بالاستمرار في الكتابة؛ لأن هذا يحقق له المزيد من المال والشهرة والتقدير.

فمثلا أنا أعتقد أن النجاح الذي حققته سلسلة طرزان، جعل كاتبه يستمر في كتابة العديد من الروايات. نفس الأمر للكاتب الأمريكي فرانك باوم. النجاح يولد نجاحا، وفكرة أن يصل الكاتب لإعجاب القاريء، ويدفعه لشراء كتبه؛ لهو سرّ من الأسرار، قد لا يفهمه أحد، لكن حدوثه على أرض الواقع يشجع الكاتب على الكتابة.

لكن الجائزة الكبرى التي يقدمها الالتزام لمريديه: هو أن يمنحهم شعورار ائعا بالراحة النفسية، بأنهم تغلبوا على كسلهم وتسويفهم، بأنهم قادرون على فعل أي شيء يريدونه؛ لأنهم يقدرون على فعل ذلك بعد ان تدربوا عليه.

هل تعلم: ربما يكون هذا شعوري الآن، بعد أن أنهيتُ هذه التدوينة.

….

فى التدوينة القادمة بإذن الله، سأحدثكم عن نموذج مبهر للالتزام، حيث سأكلمكم عن كاتبة عكفتْ على كتابة روايتها الأولى لعشر سنوات، ثم بعد أن انتهت منها؛ كانت هناك مفاجأة كبرى فى انتظارها.

نُشر بواسطة عارف فكري

كاتب مصري، متخصص فى روايات الخيال العلمي، والفانتازيا، والرومانسية، والمغامرة

3 رأي حول “كلمة السر: الالتزام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: