سوزانا كلارك: المرأة التى لمستْ النجوم بأصابعها!

هل كانت العزيزة سوازانا كلاك تُدرك أنها ذات يوم ستثير انبهار الكاتب الإنجليزي العظيم” نيل جايمان” بجلالة قدره، ثم من بعده عشرات الآلاف من القراء بروايتها الأولى؟

أغلب الظن: لا.

لكن لماذا نتعجل الحكى؟

فلنبدأ من البداية، بدلا من القفز للأمام هكذا بشكل مزعج.

كيف امتلأتْ البئر بالماء؟

سوزانا كلارك

نعرف أن كل كاتب قبل أن يصير كذلك، عليه أن يملأ  بئر عقله وقلبه بالماء، وهذا يحدث من خلال القراءات الكثيرة، ومن الاحتكاك بالبشر من حوله، ومن حدوث خبرات معينة تضع بصمتها القوية عليه. اللهم إلا من قلة لا ينطبق عليهم هذا القول، والذين يتمتعون بخيال قوي جبّار فحسب، وسنتكلم عن أحدهم بالفعل هنا فيما بعد، وسنطلق عليه لقب السيد اكس، حتى نعود للحديث عنه مجددًا، ونكشف عن اسمه.

لكن دعنا نتفق: بأن الكاتب- غالبا كما أعتقد- قبل أن يصير كاتبًا: هو يقرأ ويستمتع فحسب، وليس فى باله أنه سيكون كاتبًا. في رأيي أن البئر حين تفيض بالماء بشكل واضح، يشعر الشخص وقتها بأنه لا بد أن يكتب. إنها عملية حتمية، عليه أن يفعلها، لو كان يملك المقومات اللازمة لذلك.

عودة للعزيزة سوزانا؛ والتى كانت غارقة في قراءات ل جين أوستن وتشارلز ديكنز والسير آرثر كونان دويل.

ولدت سوزانا كلارك في الأول من نوفمبر عام 1959 بنتونجهام بإنجلترا، وعاشت طفولتها متنقلة عبر شمال إنجلترا واستكتلندا، وكذا هذا حتميا بسبب عمل والدها في السلك الكنسي.

حصلت سوزانا على بكالوريوس الفلسفة والسياسة والاقتصاد عام 1981، من كلية سانت هيلدا بأكسفورد.

ثم عملت فى عالم النشر لمدة ثماني سنوات، في دارى نشر جودرون فريزر، وكوارتو، ثم درَّست اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية فى تورين بإيطاليا، وبلباو بأسبانيا.

وفى بلباو حدث شيء مدهش شبيه بالحلم، بل كان حلمًا بالفعل!

حينما ولِدَ السيد جيلبرت نوريل

أثناء تدريسها للغة الإنجليزية فى بلباو آتاها حلم يقظة عجيبًا، ويبدو أن الأحلام مصدر قوي جدًا لتحمس الكاتب للعمل، كما فعلتها ستيفاني ماير من بعدها بسنوات طويلة، لكن فى حلم حقيقي تلك المرة، والذي كانت نتيجته هي العمل على سلسلة الشفق لو كنت تعرفها. لكن هذا ليس موضوعنا علي كل حال. المهم ان سوزانا رأت فى حلم يقظتها رجلا يرتدي ثياب القرن الثامن عشر، في مكانٍ ما يشبه فينيسيا بإيطاليا، وكان يتكلم مع السيّاح، وشعرتْ بأن له سمّت ساحر، وبأنه فعل شيئا ما شنيعا.

هذا الأمر عجيب، ويكاد يلقى أسئلة أكثر عجبًا عن ماهية الإبداع، عن البئر السحرية التى يغترف منها المؤلفون حكاياتهم، وهل نشطح ونقول مثلا: أن هذه الحكايات تحدث في أكوان موازية، وتصل إلينا بشكلٍ ما، أو ربما- بشكل معكوس- ربما نكون نحن مجرد حلم في عقل كاتب آخر في مكانٍ ما فى الكون الفسيح، كما كان الكاتب الأمريكي الشهير روبرت هاينلاين يتخيل؟

أم لعله آرثر سي كلارك؟ لا أتذكر!

حلم اليقظة، وتلك الشرارة التى اشتعلتْ فيها جعلتها تُعيد قراءة ثلاثية” سيد الخواتملتولكين، ثم عرفت بعدها أنها ستكتب رواية فانتازية.

عندما عادت سوازنا لإنجلترا عام 1993، انضمت لورشة كتابة للفانتازيا والخيال العلمي، لكولين جرينلاند وجيف ريمان، والأول سيصير رفيق حياتها فيما بعد.

هذه الورشة كانت مدتها خمسة أيام فحسب، وكان يُفترض على كل مشترك في الورشة أن يقدم قصة قصيرة قبل البدء، ولأن سوزانا لديها بالفعل ملفا يحتوى على العديد من الشذرات المتعلقة بحلم اليقظة، وذلك الشخص العجيب الذي يعمل فى السحر، في القرن الثامن عشر؛ فقد قدَّمتْ قصة قصيرة بعنوان” سيدات جرايس أوديو“، وهي تحكى عن ثلاث نساء يمارسن السحر، ويكتشف أمرهن السيد نوريل. القصة تعجب كولين، تعجبه لدرجة أنه أرسلها – دون أن تعلم سوزانا نفسها-لصديقه الكاتب العبقري” نيل جايمان”، والذي قرأ القصة وانبهر بها، وأعلن أنها مكتملة جدًا، ويصعب التصديق أنها قادمة من امرأة ما زالت تحبو في عالم الكتابة! الحقيقة أنه استخدم تشبيهًا طريقًا وبليغًا يوصِّف الموقف؛ بأن الأمر يشبه شخصا يعزف البيانو لأول مرة، وإذا به يعزف سوناتا!

أرسل جايمان القصة بدوره لصديقه الكاتب والمحرر باتريك هايدن، والذي قرأ القصة وأعجبته، بل واتصل بسوازنا نفسها، عارضا عليها أن تُنشر القصة فى كتاب”عالم الفانتازيا”، حيث يجمع أفضل قصص الفانتازيا، وقد كان.

نُشرتْ المختارات عام 1997، وحققت صدىَ طيبًا، بل وفاز بعدة جوائز.

طبعًا، كان هذا مؤشرا لأين تتجه البوصلة.

تتجه لأن يبدأ عالم جيلبرت نوريل فى البزوغ والتكون على مهل، وأن تبدأ سوزانا كلارك فى كتابة روايتها الأولى.

لكن الأمر ليس بهذه البساطة، كما ستعلم حالا.

جوناثان سترينج ومستر نوريل

فى البداية دعنى أخبرك يا صديقي القاريء، صديقتى القارئة، أن هذه الرواية استغرقت عشر سنوات حتى أتمتها، وأنها تجاوزت الألف صفحة، وأن عدد كلماتها يتجاوز 333 ألف كلمة تقريبًا!

لا بد أنك فغرتَ فاك متعجبًا، من طول المدة، ومن عدد الكلمات. لكن الحقيقة أن الفترة الزمنية متناسبة جدًا مع حجم الرواية الضخم، لكن ليست هذه المشكلة.

المشكلة الحقيقية فى الالتزام.

ما الذي يجعل سوزانا تقوم على كتابة هذه الرواية طوال هذه الفترة دون أن تملَّ أو تكلَّ، وكم من أعمال عظيمة لم تكتمل بسبب توقف أصحابها في منتصف الطريق، وشعورهم بالملل؟

هذا يحدث كثيرًا، وأحيانًا يتحول لمصيبة كارثية تحرمنا من أعمال عظيمة.

لا شكّ أن الأمر لم يكن سهلا لسوازنا أن تكتب روايتها الأولى”جوناثان سترينج”. لن تجلس إلى منضدة الكتابة، وتبدأ فى رصّ الكلمات والسطور والفصول، ثم تتثاءب، وقد انتهت الرواية.

لا بد أنها مرَّت بالعديد من العقبات. إنها تتشبث بحلم يقظة آتاها ذات يوم في أسبانيا، صورة ضبابية ملهمة، لكن لو تركتها تذهب لحال سبيلها؛ فلربما ظلتْ كما هي دون أن تتقدم خطوة واحدة.

“فلنتشبث بأحلامنا إذن؛ فلعلَّ النجاح ينتظرنا بداخلها”.

لهذا كان عليها أن تصبر على هذا الحلم حتى يكتمل، ويصير لحما ودم تكسو هيكلا من العظام. ثم تنفخ فيه من روح إبداعها. الحقيقة أن الرواية كانت من نوع الأدب البديل، وهو الأدب الذي يفترض فرضية ما، ويبنى عليها عالمًا متكاملا. بالنسبة للفرضية التى طرحتها سوزانا؛ فقد كانت:” ماذا لو كان السحر موجودًا في إنجلترا، ثم اختفى، ولم يتبق منه إلا رجل واحد فقط يمارسه اسمه جيلبرت نوريل، وآخر يتمتع بموهبة طبيعية فيه، هو جوناثان سترينج؟”.

الأدب البديل هو فرع هام جدًا في أدب الخيال العلمي، ولعلّ أقرب مثال له هو رواية فيليب ك ديك، المعنونة باسم” الرجل فى القلعة العالية“، والتى يفترض فيها فيليب أن دول المحور هي من انتصرت فى الحرب العالمية الثانية على دول الحلفاء، وبالتالى صار النمر الآسيوى هو المُسيطر على الولايات المتحدة الأمريكية.

وضعتْ سوزانا فرضية بوجود السحر فعلا فى إنجلترا(وهى فرضية فانتازية)، ودمجتها مع التاريخ الحقيقي لإنجلترا، وحروب نابليون. وهكذا كان عليها أن تبحث وتنقب، وتجمع مادة قوية جدًا، وتضفرها بشكل أخاَّذ فى نسيج القصة.

“لا تدخر جهدًا فى البحث، بما تحتاج إليه قصتك. لا بد أن تعرف جيدًا المحيط الذي تدور فيه، وكيف تستغله جيدا”.

سوزانا قامت بتخصيص ثلاث ساعات يوميًا لكتابة روايتها، وكانت تبدأ فى الكتابة منذ الساعة الخامسة والنصف صباحا، وقد حاولت كثيرًا أن تلتزم بذلك.

الطريف أن سوزانا لم تلتزم بالكتابة بشكل سردي متصل من البداية حتى النهاية، بل كانت تكتب أجزاء متفرقة من الرواية، ثم تقوم بجمعهم معًا، وهى طريقة قد تبدو غير معتادة، لكن هناك من الكتّاب والكاتبات منْ كان يكتب هكذا. على سبيل المثال كتبت المؤلفة الشهيرة فلورنس باركلي روايتها المسبحة بهذه الطريقة.

المهم أن سوزانا كان يعتريها ما يعترى الكّتاب من قلق ورهبة؛ فكانت تقول لنفسها بأنها تكتب هذه الرواية لنفسها وليس للقاريء، وكانت تُصبّر نفسها بأنها ستنهى الرواية العامة المقبل، أو الذي بعده.

“أعطِ لنفسك الوقت الكافي للكتابة، وحين تجد أن اليأس يتسلل إلى نفسك؛ فلتراوغ نفسك، ولتخدعها بخدع بسيطة. المهم ألا تتوقف عن الكتابة، وكلما واجهتك مشكلة؛ فجد لها حلا”.

حين تتحقق الأمنيات بأغرب طريقة ممكنة!

لكن عندما أتى عام 2001، أي بعد سبع سنوات تقريبًا بدأت تشعر باليأس، وبحثتْ عمن يساعدها فى إنهاء الكتاب وبيعه، وكان من الطبيعي أن تبحث عن وكيل أدبي يتولي هذه المهمة، ويبحث بدوره عن دار نشر، وبالفعل صار جايلز جوردون هو وكيلها الأدبي، والذي قام تقديم المخطوطة لدارى نشر، لكنهما رفضتاها؛ بحجة أنها غير قابلة للتسويق، لكن جورودون- كأي وكيل أدبي محترم- لم ييأس، وواصل السعى، حتى حدثتْ الانفراجة في أوائل 2003، حيث باع المخطوطة غير المكتملة لدار نشر بلومزبري.

ولو كنت لا تعرف هذه الدار؛ فدعنى أخبرك بأنها دار النشر التى نشرت سلسلة هاري بوتر في إنجلترا، وصارتْ بفضل هذه السلسلة من كُبريات دور النشر فى العالم.

وإليك المفاجأة:

كنت دار بلومزبري متأكدة من جودة المخطوطة ونجاحها؛ لذا فقد أعطت لسوزانا مبلغا تحت الحساب من أرباحها المستقبلية.

تسألنى: كمْ؟

حسنًا، خذا نفسًا عميقًا، واستعد.

لقد كان المبلغ هو مليون جنيه استرليني!

ومن ثقة بلومزبرى فى نجاح رواية” جوناثان سترينج ومستر نوريل” قامتْ بطباعة ربع مليون نسخة كبداية، وقررتْ أن يكون توزيعها في بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

بل وشُرعتْ ترجمة الرواية لسبعة عشر لغة، قبل أن تصدر طبعتها الإنجليزية الأصلية!

حققتْ الرواية نجاحًا كبيرا، واحتلت المركز الثالث لأكثر الكتب مبيعًا على قائمة النيويورك تايمز، وظلت على القائمة لأحد عشر أسبوعًا.

وربما سأقوم بعمل تدوينة مفصلة عن الرواية نفسها بعد أن أنتهى من قراءتها.

تبقي أن أقول: أنه منذ صدور رواية جوناثان سترينج ومستر نوريل فى 2004 لم تُصدر لسوزانا أية روايات أخرى، لكن المفاجأة أنها ستصدر لها رواية جديدة فى السابع عشر من سبتمبر الجاري، ونرجو لها أن تحقق النجاح المرتقب منها.

وخير ما أودعك به هو أن أنصح نفسي، وأنصحك بـ:

لا تيأس.

استمر.

التزم.

اكتب فى كل الظروف.

نُشر بواسطة عارف فكري

كاتب مصري، متخصص فى روايات الخيال العلمي، والفانتازيا، والرومانسية، والمغامرة

3 رأي حول “سوزانا كلارك: المرأة التى لمستْ النجوم بأصابعها!

  1. أشكرك حقًا أستاذ عارف، أشكرك بالفعل على هذه المقالة المذهلة الغنيَّة، الأسلوب آسر و مشوِّق حقًا، أكرِّر مقاطع منها منذ الأمس بدون ملل، ننتظر مقالات أكثر، لقد أمتعتنا بالفعل👌

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: