المنبع الذي لا ينضب لكل كاتب

أزح الغُبار عن نفسك
في ظلِّ الظروف التي تمرُّ بنا يوميًا، من أشخاصٍ وأحداث ومشاعر، تتراكم بالتدريج على النفس، وتتحول لجبل صغير، يتحول لسلسلة جبال، وتحت وطأة النفس المختنقة تحت هذا الرُكام، يبدو من الأهمية بمكان أن نتواصل مع ذواتنا الحقيقية، مع أنفسنا، ومع قنوات طفولتنا.
نفعل هذا بشكل تلقائي عندما نكرر مشاهدة أفلام ومسلسلات رأيناها في طفولتنا، أو أي أشياء اقترنت بذكريات حميمة لدينا؛ عندئذ تكتسب بعض الحميمية بدورها.

هذا يحدث في العموم؛ لكل بالنسبة للكتّاب خصوصًا يغدو هذا مهمًا جدًا. نعم، هناك مؤلفين يستطيعون صنع عوالم من أشياء حولهم؛ شخصيات يقابلونها، حوادث حقيقية، مواقف تاريخية، لكن مع فقدانهم للتواصل مع ذواتهم الحقيقية؛ فربما يفقدون منبعًا مهما؛ منبعًا لا ينضب.
لا بدّ أن نزيح الغُبار المتراكم، حتى لو اقتضى الأمر أن نبذل المزيد من الجهد.


عن المنبع الذي لا ينضب


هل تتذكر أول قصة حب دخلتَ غمارها، أول فتاة تخبرها بأنك تحبها، لا بد أنك تتذكر خفقات قلبك، وشعورك بالسعادة التي يصعب وصفها، تحديقك في النجوم اللامعة، سماعكَ لأغاني أم كلثوم وعبد الحليم، أحلام اليقظة، والحياة المثالية السعيدة التي تخطط لها، وتبنيها في ذهنك.
ربما تفشل هذه القصة، ويبهت هذا الحب، ويظهر حب جديد، لكن الشعور نفسه يترك مذاقا لا يُنسى على لسانك، وفي كل جارحة من جوارحك. لماذا تُطمر ذكريات كهذه، لماذا لا نحتفظ بها باعتزاز؛ لأنها جزء منا، ولولاها لما صرنا إلى ما صرنا إليه، وكذلك لأنها منبع من منابع الصدق لدي كل كاتب.
هذه الأشياء حقيقية، وهي حقيقية لأنها حدثت لك، وعندما تمد يدك وتغترف منها، وتنثرها على هيئة كلمات تُقرأ فيما بعد؛ نبرة الصدق هذه ستنتقل إلى من يقرأها.


كُتَّاب تواصلوا مع طفولتهم


الأمثلة على الكّتاب الذين تواصلوا مع قنوات طفولتهم، ومواقف معينة تركت أثرًا لا ينمحي علي أنفسهم؛ كثيرة جدًا، وتحتاج إلى مجلدات.
د: أحمد خالد توفيق سئل مرة عن سرِّ النجاح الذي حققه؛ فقال بأنه يتواصل جيدًا مع طفولته.
ستيفن كنج كاتب الرعب الأشهر؛ كان يتكلم عن المخاوف التي كانت تقابله وهو طفل، أو الهواجس التي تقضُّ مضجعه؛ فكتب عنها.
مارسيل بروست، الكاتب الفرنسي الذي كتبته ملحمته” البحث عن البحث المفقود“، والتي تُعدُّ من كبريات الروايات حجما وقيمة في الأدب العالمي، كان يتواصل بشكل ممتاز مع طفولته.
والأمثلة لا تنتهي. إذن من المهم يا رفاق أن نتواصل مع طفولتنا جيدًا.


لكن كيف تفعلها؟


هذا سؤال مهم. من المهم- في رأيي- أن تعرف أكبر قدر ممكن من المعلومات عن طفولتك هذه، تفاصيل الأماكن، الأشخاص، محاولة تذكر ما يمكن تذكره، الأمر- كما أخبرتك- يحتاج إلى جهدِ منك؛ في حالة لو غمرتك الحياة بتفاصيلها؛ فنسيت!
افعل، كل ما يمكن فعله من أجل أن تتواصل مع نقاط القوة والضعف في طفولتك، وشخصيتك، أن تواجه بدلا من الهرب، وأن تعالج الجروح بدلا من تركها تتعفن، وأن تعلو بصوتكِ لو كان خائفًا، بدلا من أن تغرق في لجّة الخوف الهامس!
جرِّب ذلك.

لو أعجبك المحتوى؛ فلا تنس الاشتراك فى المدونة، ولو رأيت المحتوى نافعًا؛ فقم بنشره إن أمكن.

نُشر بواسطة عارف فكري

كاتب مصري، متخصص فى روايات الخيال العلمي، والفانتازيا، والرومانسية، والمغامرة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: