عن النزيفِ الذي يسيلُ من الكُتَّاب!

 

هل هناك نزيفٌ بدون ألم؟

قد تقول ربما؛ لو كان المرء مُخدَّرا. لكن هل يمكن للكاتب أن يُخدّر ذاته عندما يكتب؟ لا أتحدث هنا عمن يتناولون المُكَيِّفَات والمخدرات والمشروبات من أجل الوصول إلى حالةٍ ما من النشوة الضبابية أو التوهم؛ بل أتحدث عن تلك الفئة من الكتاب التي تنزل البحر لتتعلم السباحة وهي في كامل قواهم العقلية.

فى كل مرة ينزل الكاتب يشعر بالرهبة، يخاف من أن تخونه موهبته، ويسقط كحجر ثقيل للأعماق. لا بد للكاتب أن يخاف، وأن ترتطم عيناه بالعتمة الممتدة للأفق، إنه في كل مرة ينزل أنه نزل نفس البحر، وإن كان في بقعة مختلفة عن السابقات.

الكتابة صعبة، مرهقة، هي أشبه بالشعلة التي تحرق حاملها أحيانًا، لكنه مضطرّ لحملها؛ إذ أنه لا يوجد غيره.

الكتابة تستنفر عضلات الكاتب الفكرية والبلاغية، حتى يدوّن حكاية ممتعة، الأمر ليس سهلًا؛ بل يجعل بعض الكُتّاب أحيانًا على حافة الانهيار. بعض المؤلفين يعيشون حالة من الشرود والتركيز المضني، ويفرضون جوَّا من التوتر والسكون على بيوتهم، والبعض الآخر يحزم حقائبه ليذهب بعيدًا.

نعم، بعض الكُتَّاب يتعاملون مع الكتابة على أنها لعبة ممتعة، ولا بد أن هناك جزءا من المتعة في إخراج الشحنة التي تعتمل تحت جلد المؤلف على الورق، وشعور الخلاص والخفة، ثم الخواء.

كل من يكتب قصة أو رواية يُدرك هذا الشعور.

القصة أشبه بحياة كامنة تحت سطح المؤلف، يصرخ أبطالها للخروج للنور، يتوقون للإعلان عنهم، يتسابقون لأخذ حقهم في الخلود في مملكة الخيال.

أسمعك تقول وأنت تتثاءب فى ملل:

أدرك هذا جيدًا يا صاح؛ فما الذي ترمي إليه بتدوينتك المملة هذه؟

هل بعض القُرَّاء فعلا يُدركون أن الكاتب يحترق من أجل أن يكتب روايته؟

دعني أقصُّ عليك قصة قد تبدو ظريفة؛ لكنها محزنة:

أحد الكتُاب يدخل عليه أحد القُرّاء ويسأله متى تتوفر روايته مجانا بصيغة PDF؟

قصة أخرى لصديق عزيز حضرتُ حفل توقيعه منذ سنوات، وبرغم العدد الحاضر؛ إلا أن أحدًا لم يُكلف نفسه لشراء نسخة من الرواية، أظن أن أغلبهم- إن لم يكن كلهم، لكنى لستُ متأكدًا- يتوقع أن يهبه الكاتب نسخة مجانية موقّعة منه، وكأن هذا الأخ الحاضر لحفل التوقيع قد تنازل من علياءه ويقدّم خدمة للمؤلف.

ذات مرة تكلم الدكتور أحمد خالد توفيق عن الهجوم الذي كان يقابله على موقع الجودريدز، حيث تكلم قارئ ما عن رواية للدكتور أحمد وقال بأنه يعطي نجمة واحدة للغلاف!

هذه الفوقية السخيفة من بعض القرّاء مستفزة جدًا. من حق القارئ أن يقول رأيه بأنه يكره كتابا معينا لأسباب معينة. الأمر بسيط. لكن ماذا لو اختلط الرأي بهوى القارئ الشخصي؟

ماذا نفعل إذن؟

المؤلفون يحتاجون للدعم يا رفاق، يحتاجون للنقد البنّاء الذي يصوّب أخطاءهم، ويدفعهم لكي يكونوا أفضل. يحتاجون لأن ندعمهم معنويا، وأن نشتري كتبهم لو توفرت لنا بشكل مادي مناسب، سواء ورقيا أو إلكترونيا. نحتاج إلى أن ندعم التجارب المميزة والجادة، والمواهب التي تتحسس طريقها في استحياء.

وفوق كل هذا وذاك: لا بد أن نُقدّر ذلك النزيف الذي يسيل منهم، وخاصة لو كان متعوبًا عليه، وبذل فيه المؤلف جهدًا كبيرًا من وقته وتركيزه.

لو أعجبك المحتوى؛ فلا تنس الاشتراك فى المدونة، ولو رأيت المحتوى نافعًا؛ فقم بنشره إن أمكن.

نُشر بواسطة عارف فكري

كاتب مصري، متخصص فى روايات الخيال العلمي، والفانتازيا، والرومانسية، والمغامرة

رأيان حول “عن النزيفِ الذي يسيلُ من الكُتَّاب!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: