قصص نجاح،كتب

روايات مصرية للجيب: الرجل الذي رأي الغد

 

قبل أن يبدأ كل شيء

 

نحن الآن في مصر، في النصف الأول من ثمانينات القرن العشرين. تُرى كيف كان شكل الثقافة وقتها؟ أعتقد ان مستواها كان جيدًا لحد كبير؛ نظرا لوجود عمالقة في الكتابة؛ أمثال الدكتور مصطفي محمود، ومحمود السعدني، وأنيس منصور، ومحمد حسنين هيكل، وغيرهم، لكنى أريد التكلم عن نقطة معينة بعينها؛ متعلقة بأدب المغامرة.

هل كان هناك وجود لأدب المغامرة، قبل أن يبدأ مشروع روايات مصرية، والذي صار فيما بعد مشروع القرن، وهو- في رأيي- يستحق هذه التسمية عن جدارة؟

في البداية: أدب المغامرة المترجم كان موجودا وبكثافة. زيارة واحدة لسور الأزبكية في ذلك الزمن ستجعلك تشرف على أطنان من الروايات والقصص المترجمة في أدب المغامرة والفانتازيا والخيال العلمي، وغيرها، سواء تلك الصادرة عن دار الهلال، أو غيرها من دور النشر. هناك مترجمون عمالقة، أمثال مختار السويفي، وعمر عبد العزيز أمين، وحلمي مراد، والذين نقلوا جزءا محترما من الأدب العالمي، سواء بترجمة كاملة، أو حتى مختصرة، أو بتصرف يسير.

لكن ماذا عن الأدب العربي الذي كُتب خصيصا بالعربية؟

للأسف لم يكن الإنتاج بالعربية مُرضيًا. فبخلاف مجلات الأطفال، كان الإنتاج الأوفر للكاتب العظيم محمود سالم، والذي كان مشهورا بسلسلتيه: المغامرون الخمسة، والشياطين ال 13، وكدلالة على انتشار كتاباته استدعاه أنيس منصور ذات يوم، وكان يترأس دار الهلال، وأخبره أنه يربح من أكثر من كل الكُتَّاب فى المؤسسة، وهنا أخبره محمود سالم- كما يروي هذا الأخير بنفسه( يمكنك مشاهدة هذا من الدقيقة الاثنية و17 ثانية فى هذا الفيديو)- بأنه من يعمل حقيقة.

أيضا كان هناك وجود لأدب الخيال العلمي، على يد العظيم نهاد شريف، لكنه أدب يحتاج لذائقة معينة؛ فكيف نفعل هذا مع جيل الناشئين، والذي لم يتربَّ على الخيال العلمي مثلا؟

كان أدب المغامرة محدودا جدًا، وهو- كما تحدث الراحل الدكتور أحمد خالد توفيق- يضع القاريء فى تلك المرحلة بين أن يقرأ أشياء بسيطة خفيفة، أو أدبا معقدا ومرهقا؟

كيف بدأ كل شيء؟

 

لا توجد معلومات عن كيفية بداية روايات مصرية للجيب؛ كفكرة في ذهن صاحبها. للأسف- حسب معلوماتي- كان الأستاذ حمدي مصطفي، صاحب المؤسسة العربية الحديثة شخصية غامضة إلى حدٍ كبيرٍ؛ فهو غير مُغرم بالظهور في لقاءات تليفزيونية أو صحفية، ولم يكتب مذكراته مثلا؛ فنعرف كيف اشتعلتْ شرارة هذا المشروع في ذهنه.

كل ما نعرفه، أنه ذات يوم- فى النصف الأول من فترة الثمانينات- ظهر إعلان يطلب كُتَّابا لأدب المغامرة، وقد كان.

ظهر الجيل الأول المؤسس لإنتاجات روايات مصرية للجيب، على أيدي: نبيل فاروق، أحمد خالد توفيق، خالد الصفتي، شريف شوقي، رءوف وصفي، والذين سنتحدث عنهما فى التدوينة القادمة بإذن الله، بشيء من التفصيل.

الحقيقة أن هذا المشروع كان من الممكن أن يفشل لعدة أسباب.

السبب الأول: المؤسسة العربية الحديثة مشهورة بكتبها المدرسية؛ فما الذي يجعلها تدخل في أرض جديدة عليها، لا تعرف عنها شيئا؟

السبب الثاني: تغيير ذائقة القرّاء يحتاج لسنوات، فهل يمتلك صاحب المؤسسة صبرًا لكي يخوض هذا التحدي؟

يروي الدكتور نبيل فاروق أن توزيع السلاسل فى البداية كان مُحبطا، وبرغم شعوره بذلك، إلا أن حمدي مصطفي طلب منه ألا يشغل نفسه بهذا.

كان الرجل يمتلك صبرًا مدهشا، ورؤية متأنية للمستقبل، مهما بدا الواقع غير مشجع لما يقدمه.

لم يتوان الرجل عن تقديم أصناف متعددة من أدب المغامرة؛ فقدّم أدب الجاسوسية والمهام الخطرة من خلال سلسلتي” رجل المستحيل” لنبيل فاروق، و” المكتب رقم 19″ لشريف شوقي.

وقدّم أدب القصص المصورة من خلال سلسلة فلاش، والتى تلتها سماش للمبدع خالد الصفتي.

أدب الخيال العلمي كان له نصيبٌ أن يظهر فى سلسلة” ملف المستقبل” لنبيل فاروق، وكذلك على يد رءوف وصفي فى سلسلة “نوفا”.

كذلك أعاد إحياء سلسلة كتابي للمترجم العظيم حلمي مراد، وأصدر أمهات الأدب العالمي.

ولا ننس سلسلة” روايات عالمية للجيب”، والتى كانت تُصدر ترجمات مختصرة لروايات وقصص مشهورة أو حتى غير مشهورة.

حتى الأدب الرومانسي كان له نصيب فى السلسلة الشهيرة” زهور”، والتى كانت تضع على غلافها عبارة موحية بالطمأنينة، حيث لن تمانع أية أسرة أن تدخل هذه الروايات بيوتها؛ لأنها تتمتع بضوابط أخلاقية معينة مناسبة لجوّ الأسرة.

كذلك كانت هناك سلاسل أخرى تهتم بالقصص القصيرة، والتنويعات التي تُذمُّ بين دفتي كتاب واحد؛ مثل سلسلة” كوكتيل 2000″، وكذلك سلسلة” زووم”، والتى تحتوي على كل شيء تقريبا؛ من نكات، ورسومات، وملخصات لأفلام، وألغاز، وبورتريهات لشخصيات أدبية، أو شخصيات حقيقية.

طبعا، هناك سلاسل أخرى أضيفتْ لصرح روايات مصرية جديدة، لكن المقصود هنا أن هذه التنويعة من السلاسل، بدأت تنجح رويدًا رويدًا، حتى صارت روايات مصرية للجيب ملء السمع والبصر، حتى أنها كانت توزّع فى البلدان العربية وغير العربية.

هذا النجاح الساحق- الذي أخذ وقتا، وكان تراكميا- جعل المؤسسة تقوم بضمّ مؤلف جديد، يريد تقديم محتوى خاص بأدب الرعب، وكان هذا المؤلف هو الراحل أحمد خالد توفيق، والذي أضاف بسلاسله الثلاثة العظيمة: ما وراء الطبيعة- فانتازيا- سافاري، نقلة نوعية في الأدب المقدمّ للقرّاء، كذلك كانت له إضافات مميزة جدا على سلسلة” روايات عالمية للجيب” التى تولي أمرها بعد الدكتور نبيل فاروق.

كيف فعلها حمدي مصطفي؟

 

في رأيي أن نجاح حمدي مصطفي فى مشروعه الضخم هذا يعود لأسباب عديدة:

الأول: الرجل مراقب جيّد لحال الثقافة حوله، وهو رأي فجوة مهولة في جيل الناشئة والمراهقين قرَّر ملأه بذكاء شديد.

الثاني: اختيار فكرة السلاسل كانت فكرة عظيمة جدا. السلاسل تحقق نجاحا على المدى البعيد. هل توجد دار نشر أخرى تبنت هذا الموضوع وحرصت عليه كما فعلت المؤسسة العربية الحديثة بمشروعها” روايات مصرية للجيب”؟

الثالث: يتمتع حمدي مصطفي بصبر شديد؛ فهو يعلم بأن مشروع كهذا يحتاج للكثير من الوقت حتى يُرسّخ نفسه جيدَا فى تربة الثقافة المصرية والعربية. لهذا لم يكترث لبطء المبيعات في البداية، وكأنه يعرف أن هذا هو الطبيعي في كل مشروع ثوري، يحتاج للوقت حتى يُغيّر منْ حوله بوجوده.

الرابع: الرجل لم يدخر جهدا في تقديم كل ما هو ممكن لهذا المشروع؛ فقد كان يستعين برسّام مبدع مثل” إسماعيل دياب”، وكان ينوّع في تقديم ما يقدمه، وكان يسوِّق لمشروعه بكافة الطرق الممكن، حتى وصل الأمر لأن يقدم إعلانا مصورا في التليفزيون، كان من أيقونات صبايا، حيث كنتُ أشاهده، ويخفق القلب لمرآه. في السنوات الأولي كان يقدم جوائز، وأتذكر أنها كانت موجودة في الكتيبات الأولى لسلسلة ملف المستقبل.

الخامس: الرجل كان يهتم بالاستمرارية؛ فمثلا قبل أن يصدر الكتيب الأول من سلسلة” ما وراء الطبيعة” كانت هناك 8 كتيبات تحت الطبع. أي أنه لم يغامر بإصدار رواية، ثم انتظار ردود الفعل.

السادس: التوزيع، ثم التوزيع، ثم التوزيع. الروايات كانت توزّع بشكل جيد جدا؛ فى مصر، وفي الدول العربية، وبعض الدول غير العربية. الرجل كان يضع عينه على محيط حتى الخليج.

السابع: أظن أن حمدي مصطفي كان يقرأ ما يُقدم للمؤسسة بنفسه فى أغلب الأحيان، وصحيح أنه أنشأ لجنة قراءة فيما بعد، لكنه كان يحرص على ما يُقدم للمؤسسة، وكانت لديه عين فاحصة، تعرف ما الذي سيثير القاريء ويجذب انتباهه. ولا ننسى تركيزه على إتاحة الكتيبات في حجم الجيب، بحيث يكون اسما على مسمى.

كان يعرف جيدًا أي مشروع ثوري يقدمه للقرّاء العرب.

وكان مُحقًا.

 

قياسي

رأيان حول “روايات مصرية للجيب: الرجل الذي رأي الغد

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s