عن الرعب الحقيقي والرعب الرخيص

 

عن فلسفة الرعب

 

لماذا نحب أدب الرعب وأفلام الرعب؟

لماذا نستمتع بشعور الخوف الحرّيف عندما تدخل بيوت الرعب، حيث تكون الوحوش المختبأة، والأشكال المفزعة، والعتمة المخيفة؟

لماذا نغوص فى مقاعدنا فى صالات السينما، وتتسع أعيننا بخوف، ونحن نشاهد فيلم رعب مخيفا؟ لاحظ أنك قد ذهبت بقدميك للسينما، وأنت تعرف أنه فيلم رعب، بل وسألت أكثر من صديق عن جودته، وعديدون أخبروك بأن فيه الكثير من “الخضّات”، وبالتالي فانت متحمس لخوض هذه التجربة. لقد ذهبت للسينما، وقطعت تذكرة، ودخلت للقاعة التى ستظلم بعد قليل، وأنت تحمل علبة الفيشار ذات الحجم العائلي.

الحقيقة أنت تريد ممارسة الرعب وأنت تعرف أنك آمن، لن يصيبك ضرر، لكن ماذا لو أخبرتك أن مكانا ما مهجورا ترتع فيه الشياطين، وتُفقد فيه الزائرون الحمقى حيواتهم أو عقولهم حتى.. هل ستذهب؟ أشك.  وطبعا من الذكاء ألا تفعل ذلك، ولا ترتكب نفس حماقة كاتب الرعب مايك إنسلن، الذي كان يذهب للفنادق ذات السمعة المخيفة؛ ليثبت فقط أن أصحابها نصابون، لسبب سوف نعرفه بعد قليل.

لهذا نفهم سرّ رواج أدب الرعب، والأفلام والمسلسلات التى تدور في هذا العالم.

لكن لاحظ أن الرعب نفسه له أكثر من تصنيف.

عن الرعب الرخيص نتحدث

 

والرعب الرخيص هذا هو الرعب الذي يهتم بالشكل أكثر من المضمون، الذي يحرص على أن يجعلك تصرخ دون أن ينفذ للأعماق، ويخترق عظامك، ويصيبك بقشعريرة لن تغادرك حتى الممات.

الرعب الذي يوجد فيه الكثير من الدم والأشلاء، والصراخ المزعج بمناسبة ودون مناسبة.

الرعب الذي يعتمد على الظلال، وعلى الأشياء التى تعبر مجال بصرك لثانية، ثم تختفى.

الرعب الذي يعتنى بكيفية أن يظهر رأس الوحش فجأة معك في نفس الكادر، وهو يحدق في عينيك، وكأنه يشعر بملل وفراغ؛ فيقضيه في إرعاب خلق الله من أمثالي وأمثالك.

هذا هو الرعب الرخيص، الرعب السطحي السهل، ولأنه سطحي وسهل؛ فهو وقتي، وقد لا ينجح أصلا؛ مع هذا السيل من مواد الرعب المختلفة.

عن الرعب الحقيقي نتحدث

 

وهذا الرعب هو الغرض من هذه التدوينة. إنه الرعب الحقيقي الذي لا ينتهى.

(1)

من ضمن هذا الرعب فكرة أنه لا توجد حياة بعد الموت. نعم، هذه فكرة مرعبة يا صديقي، فكرة أن تكون متأكدا أن أحبابك الراحلين لن تراهم مرة أخرى. لهذا يمكن أن نتفهم رغبة مايك إنسلن- الذي أتينا على ذكره بأعلي- بتجواله فى الفنادق- التى يُقال أنها مسكونة- حتى يثبت كذب أصحابها، لكنه في الحقيقة يريد أية أثارة من علم تؤكد انه توجد حياة بعد الموت، حتى يطمئن بأنه سيقابلهم مرة أخرى.

طبعا مايك إنسلن هو بطل قصة ستيفن كنج الشهيرة 1408.

(2)

على نفس التنويعة يأتى فيلم Coco، والذي يصرّ الكثيرون أنه فيلم ممتع ومبهج، لكنى في الحقيقة أراه فيلم رعب. فكرة الفيلم ببساطة: ماذا لو كان وجودك في الحياة الآخرة يعتمد على تذكر أحبابك في الدنيا لك. يعني: لو لأي سبب قاموا بنسيانك؛ فأنت ستتلاشي تماما كأنك لم توجد!

أي رعبٍ يفوق هذه الفكرة؟

(3)

وماذا عن رعب أن يكون منقذك، هو نفسه من سيقودك للجحيم؟

قد يكون صديقا مقربا، قد تكون حبيبة ما، قد يكون ابنا عزيزا، قد تكون هواية، قد تكون مهنة؟ قد يكون أي شيء تظنه خيرا، وهو شرٌ.

هناك مشهد أيقوني في فيلم الرعب الكلاسيكي سفير جهنم عندما يهرب البطل من قصره بعد أن أفصح الشيطان عن وجهه الحقيقي؛ فهرب منه بداخل سيارة أجرة، وفجأة اكتشف أن السائق نفسه هو الشيطان، وهو يخبره بأنه سيوصله لجهنم!

(4)

وماذا عن رعب الجهل؟

هذا هو الرعب الأكبر لو أخذت رأيي، أن تكون مُحاطا بالسعادة ولا تراها، أو أن يكون طريق النجاة أمامك لكن الضباب يحول دون رؤيته.

في الفيلم البشع: الضباب( لم أشاهده إلا مرة واحدة، ولن أفعل مرة أخرى)، تهاجم الوحوش مدينة بسيطة، وتقضى على سكانها، وفي المشهد الأخير من الفيلم يُحاصر البطل- مع ابنه الصغيره، وفتاة قابلها منذ ساعات- فى سيارة، ولأنه يعرف أن الوحوش سوف تمزقهما إربا؛ فيقوم بالقضاء عليهما بمسدسه، رحمة بهما، وهو يفعل ذلك وهو يبكي. كما ترى فغايته نبيلة، برغم قسوتها، لكن ما حدث أنه بعد ثوان انقشع الضباب وبرزت قوات الإنقاذ الأمريكية وهي تقضى على الوحوش بشراسة. يعني لو انتظر البطل هذه الثواني؛ لكانوا جميعا على قيد الحياة!

لا أستبعد أن قشعريرة قد اجتاحتْ عموك الفقري الآن.

وماذا عن رعب الوحدة، ورعب الصمت، ورعب أن تخرج من الحياة صفر اليدين بدون إنجاز؟

وماذا عن رعب الشيخوخة، ورعب النسيان، ورعب ما ينتظرنا ما بعد الموت، ورعب البحث عن الحب وعدم إيجاده، أو رعب البحث عن معني والخوف من عدم وجوده؟

الرعب الحقيقي الذي يذكرنا بماهيتنا، وأننا بشر ناقصون، حمقى، مهددون بالفناء، ومن ثمّ نتواضع، ونطلب من الله الستر والسلامة.

هذا هو الرعب الحقيقي.

نُشر بواسطة عارف فكري

كاتب مصري، متخصص فى روايات الخيال العلمي، والفانتازيا، والرومانسية، والمغامرة

رأيان حول “عن الرعب الحقيقي والرعب الرخيص

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: