قصص نجاح،كتب

جورج سيمنون: أو كيف تكتب رواية في أحد عشر يومًا؟!

مبدئيًا، قد تتصور بأنى سأعطيك طريقة لكتابة رواية في أحد عشر يومًا، والحقيقة أنك نصف محق، ونصف مخطيء! كيف يستقيم هذا مع ذاك؟ حسنًا، سنلتقى اليوم مع شخص استطاع فعل ذلك، استطاع أن يتحكم في حياته، لدرجة تجعله قادرا على كتابة رواية في تلك الفترة القصيرة جدًا.

لقاءنا اليوم يا رفاق، مع الكاتب الشهير جورج سيمنون.. فأحكموا الأحزمة، ولننطلق معًا.

أراك تُمسك بكُم قميصي وأنت تقول بغيظ:

من هو جورج سيمنون أصلا يا أخينا؟

أقول لك برفق:

ادخل على ويكبيديا يا أخي، واعرف عنه ما تريد.

أسمعك تقول:

قد أفعل هذا، ولكننى أريد أن أسمع منك أنت بعض الأشياء عنه.

أهزُّ رأسى، وأقول:

إنه مطلب عادل.

فليكن.

أسطورة الصبي الذي صار كاتبًا

ولد في بلجيكا، والتي تتحدث الفرنسية، ومات أبوه في سن مبكرة؛ مما جعل أمه تقوم باستئجار بيت كبير في مدينة لوتيش، وتقوم بتحويله لفندق.

في هذا الفندق تعرَّف جورج الصغير على نزلاءه من الطلبة الروس، والبولونيين، والرومانيين والهنجاريين، وكان يسمعهم وهم يتحدثون عن الكُتَّاب العِظام، وعندما بلغ الثانية عشر من عمره شرع في قراءة ما يعثر عليه من إنتاجهم الأدبي، وكان قراره بأن يعمل في مهنة توفر له الوقت لكى يؤلف الكتب.

وعمل في مكتبة، والتي تشاجر مع رئيسه فيها، وكان سبب الخلاف غريبًا؛ فقد كان الأخير يخبره بأن ألكسندر دوماس يستأجر آخرين لكي يكتبوا له!

بعد هذه المناقشة فُصِلَ من عمله؛ مما جعله يقوم بالعمل في إحدى الصحف، ثم طار إلى باريس، واستأجر  حجرة في أحد الأسطح، وراح يكتب كل شيء: قصص، روايات، سلاسل، مقالات، وكان يوقعها بأسماء مستعارة، وكان يريد أن يدخر اسمه لأعمال أفضل.

نعم، هذا صحيح.

هل تتخيل أنه كان يكتب ما يقرب من ثمانين صفحة يوميًا؟

كان قد تحول إلى آلة لا تعرف إلا الكتابة.

يكتب وينشر، يكتب وينشر.

ثم قام سيمنون بخلق شخصيته الأشهر: المفتش جول ميجري، أو الكوميسار ميجري. رجل شرطة فرنسي، عادي جدًا، يتحرك بمظلته، وغليونه، يركب الباص، ويعيش حياة اعتيادية، ويحل الجرائم بشكل عادي جدًا.

كان الناشر الفرنسي أتام فايارد موافقا على نشر روايتين لهذه الشخصية، برغم توقعه أنهما لن تلقيا النجاح؛ بسبب أنهما مختلفتين عما هو موجود في السوق أصلا. كان فايارد قد اتفق مع سيمنون في حالة أن الروايتين لم تحققا نجاحا؛ فسوف يقوم بقتل هذه الشخصية.

ولم يكن سيمنون يريد ذلك. فكّر في حيلة تروّج لبطله؛ فأقام حفلا في أحد المطاعم الكبيرة، ودعا إليها كبار الفنانين والكُتَّاب وبعض رجال الشرطة، وكانت الدعوة ذات طابع بوليسي مشوّق، حيث توجد بصمات أصابع، ومعها سطور تقول” تكريما لميجري وجورج سيمنون”. وحقق الحفل نجاحًا ساحقًا، ووراحت باريس كلها تتحدث عن ميجري هذا.

وتحقق روايات ميجري نجاحًا كاسحًا، وتتُرجم لـ 27 لغة.

الحقيقة أن هذه الشخصية نجحت لدرجة خنقت سيمنون شخصيا، ورغب في قتله،  ويكفى أن تعرف ان الأطفال عندما كانوا يقابلونه كانوا يقولون:” صباح الخير يا سيد ميجري”.

وهي نفس المشكلة التي قابلتْ آرثر كونان دويل عندما قام بقتل شرلوك هولمز، ثم أعاده للحياة تحت ضغط رسائل القراء.

نفس الأمر حدث مع سيمنون، والذي رضخ لرسائل القراء الكاسحة، وقرر الإبقاء على الشخصية، وكتابة ست روايات سنويا عن ميجري!

كان سيمنون يكتب 12 روايا سنويًا، ثم قام بتخفيضها إلى ست روايات فقط بعد ذلك.

لكن كيف يفعلها؟

كيف يعمل جورج سيمنون؟

لكل كاتب طريقة للعمل، في مخه، وحيث تشتعل خلاياه الرمادية بكفاءة- كما يقول المخبر البلجيكي الشهير هركيول بوارو-، والحقيقة أن سيمنون عندما يعمل يتحول إلى شخص صعب، فظّ، وذي ضغط دم عالٍ، والمفارقة أنه عندما ينتهى من كتابة روايته ينخفض ضغط دمه، لدرجة تستأهل أن يزور طبيبه.

أسرته تعرف بأن الحياة تتوقف طوال إحدى عشر يومًا، وأنه من غير المسموح أن يُزعجه أحد وهو يعمل، وهو لا يغادر حجرته إلا عندما ينهى فصلا، أما إذا قام أحدهم بقطع حبل أفكاره بأي شكلٍ من الأشكال؛ فإنه يُلقى ما كتبه في سلة المهملات!

يهتم سيمنون بشخصياته، وهي التي تُحركه لكتابة الحبكة وليس العكس. ما هي طبائعهم، صفاتهم، أسماءهم- التي يأتي بها من دليل الهاتف-، مشاكلهم، طبقاتهم الاجتماعية، الخ.

يصحو جورج سيمنون في الساعة السادسة صباحا، يصنع فنجان قهوته بنفسه، ثم يتجه للعمل، في حجرة مليئة بكتب الطب والقانون، وما يتعلق بعالم الإجرام، وتوجد فيها خريطة، حيث يستطيع سيمنون متابعة شخصياته أثناء تحركاتهم.

يكتب لثلاث ساعات فقط، من السادسة إلى التاسعة، يكتب فصلا كل يوم من أيام الـ 11، كل فصل مكوَّن من عشرين صفحة، أي أنه يُنتج 200 إلى 220 صفحة على الآلة الكاتبة خلال أحد عشر يومًا.

تقوم دينيس زوجته باستنساخ ثلاث نسخ من كل رواية: نُسخة للناشر، ونسخة للمترجم الذي سيقوم بترجمتها للإنجليزية، ونسخة توضع في صندوق حديدي خوفًا من ضياع بقية النسخ!

المدهش أن كتاباته الغزيرة المتواصلة؛ جعلت أسلوبه يتجه للأجود وليس العكس، كما يقول النُقَّاد. كان يهتم جدًا بالبعد النفسي، وكان يتعامل مع عدد شخصيات قليلة يركز عليها، وكان يهتم بتلك النقطة التي يتحول فيها المرء إلى مجرم.

بسبب هذا النظام الصارم صار جورج سيمنون من أكثر الكتُاب غزارة وإنتاجًا، ونجاحًا أيضًا، ويُقارن نجاحه بنجاح أجاثا كريستى نفسها!

حتى أن البعض قد وصفه بأنه بلزاك القرن العشرين!

إذا أعجبتك هذه التدوينة ورأيتها مفيدة لك؛ فما الذي يمنع أن ترشحها للمهتمين من أصدقاءك؟

قياسي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s