غير مصنف

أجاثا كريستي: المرأة التي أتتْ لتبقى!

التخبُّط في الطريق المعتم

 لا بد أنك سمعتَ عن الكاتبة الإنجليزية أجاثا كريستي، الأكثر شهرة من علم، والتي يلقبها البعض بـ “ملكة الأدب البوليسي”. أغلب الظن أنك قرأتَ شيئًا لها، أو شاهدتَ فيلمًا أو مسلسلا اُقتبِس من أعمالها، ربما تكون سمعتَ اسمها ذات مرة في تجمعٍ ما. أجاثا كريستي؛ مفخرة الأدب الإنجليزي، والتي تُباع كتبها بغزارة حتى الآن، وتحتل المرتبة الثالثة في المبيعات بعد الكتاب المقدس ومؤلفات شكسبير، وتُرجمت مؤلفاتها لمائة لغة، وما زالت رواياتها وقصصها تشغل ساحة الأدب، وفي الغالب سيستمر هذا لعقود قادمة. شخصياتها الخالدة؛ مثل” هركيول بوارو”، والعجوز الذكية” مس ماربل”، وغيرها.

الكاتبة التي يُقال بأن واحدة من رواياتها” And Then There Were None” قد باعت أكثر 100 مليون نسخة!

ربما تندهش-بل أغلب الظن أنك ستفعل-عندما تعرف أن دخولها لعالم الكتابة كان غريبًا.

ولدت أجاثا عام 1890 في توركي الساحلية، في بريطانيا، لإحدي العائلات الثرية.

حسنًا، يمكنكم القول بأن أمها كانت المحفّز الرئيسي وراء تحولها لعالم الكتابة، سواءً أكان هذا بشكل مباشر أو غير مباشر.

كيف ذلك؟

اصبر علىَّ قليلًا يا أخي.

ما حدث أن الصبية أجاثا لم تدخل المدرسة كقريناتها، بل قامت والدتها بتعليمها في المنزل، حيث كانت تلك الأخيرة مقتنعة بأن الدراسة في المنزل أفضل. لم يكن أخوات أجاثا يهتممن بأختهن الصغري، ولم تكن تحظى بأصدقاء، وهكذا انكبتْ الصغيرة على نفسها في عزلتها تقرأ، وكانت قارئة شرهة؛ تقرأ لإديث نسبت، وأنتوني هوب، وتشارلز ديكنز، ووالتر سكوت، وألكسندر دوماس الأب، وبسبب وحدتها كانت تعقد صداقات مع أصدقاء وهميين، وكانت تؤلف قصصا أيضًا.

وعندما كانت في العاشرة من عمرها ألفت قصيدة بعوان” زلة البقرة”. وعندما كانت في الحادية عشر من عمرها توفي والدها؛ بسبب- فيما يعتقد- مشاكل صحية في القلب والكلى، وقد قالت أجاثا أن وفاة والدها كانت نهاية طفولتها.

وجاءت نقطة التحول.

مرضتْ أجاثا ذات مرة، وهنا طلبتْ منها والدتها أن تحاول كتابة قصة من قصصها. وقد كان. كتبتْ أجاثا قصة، انتهى مصير أبطالها كلهم بالموت. ربما تظن أنتَ أن أجاثا كان حلمها أن تكون كاتبة. هذا غير صحيح. كانت تحلم بأن تكون عازفة بيانو. لكن المدرسين أخبروها بأنها لا تصلح لذلك؛ بسبب عصبيتها الشديدة.

هنا قررت أجاثا أن تدرس الغناء؛ فأرسلتها أمها إلى باريس، لكن المدرسين هناك قالوا بأن صوتها غير صالح للغناء.

كما ترى؛ فإن العزيزة أجاثا كانت تتخبط في طريقها المعتم.

ثم بدأ ضوء خافت يلوح في نهاية ذلك الطريق.

أول الغيث: قصة!

 عندما عادتْ أجاثا إلى إنجلترا نصحتها والدتها بتجريب الكتابة. قامت بتأليف بعض القصص القصيرة، بل ونجحتْ في نشرِ بعضها بالفعل. تزوجتْ أجاثا من أرشيبالد كريستي، والذي أُرسل للجبهة في فرنسا أثناء الحرب، وذهبت أجاثا معه، وعملتْ ممرضة في إحدى المستشفيات. تلك الفترة أكسبتها خبرة في السموم وأنواعها، وخطر لها هناك أن تكتب رواية بوليسية. تظهر أمها مرة أخرى على مسرح الأحداث، وتقول لها مستفزة:

“أراهنكِ أنكِ لا تملكين القدرة على كتابة رواية بوليسية”.

وهكذا انكبتْ الفتاة على كتابة أول رواية بوليسية لها The Mysterious Affair at Styles، والتي أرسلتها إلى عدة من دور النشر، والتي كان يصلها الرفض منهم في كل مرة، مع وصول المخطوطة التي أرسلتها. وذات مرة لم تصلها المخطوطة؛ فظنتْ أنها ضاعت. ولم تهتم أجاثا بالأمر، وربما ظنت أن ما تكتبه غير صالح للقراءة. لا نعرف. لكن وصلها فجأة رد بالموافقة من الدار الأخيرة التي أرسلتْ إليها المخطوطة.

ولا بد أنها كانت مفاجأة سعيدة.

طلب منها الناشر إجراء بعض التعديلات الطفيفة، والتي فعلتها أجاثا. نُشرِتْ الرواية في عام 1920، حيث كانت أجاثا في الثلاثين من عمرها، وقد أهدت الرواية لأمها.

شهدت هذه الرواية ظهور مخبرها البلجيكي الأشهر هركيول بوارو، الرجل القصير الأصلع، ذو الشارب الضخم، والأناقة اللافتة، والذي لن تجد على ثيابه ذرة تراب واحدة، كنموذج مُجسَّد ومستفز للنظام والترتيب. الرجل الذي لا يكفُّ عن التكلم عن خلاياه الرمادية.

المحقق العبقري الذي ظهر في 33 رواية، وأكثر من خمسين قصة قصيرة، ومسرحية واحدة!

الحقيقة أنها استلهمتْ الشخصية من الجنود البلجيكيين الذين قامت بخدمتهم في المستشفى أثناء الحرب العالمية الأولي، كما أنها تعاملت مع بلجيكيين في توركي نفسها؛ لهذا نجد أن الشخصية مليئة بالحيوية والجمال، وأيضًا الاختلاف الكبير عن شخصية” شرلوك هولمز” والتي كانت ملء السمع والبصر في ذلك الوقت، وحتى الآن بالطبع.

وبدأتْ أجاثا رحلة المجد الأدبي من تلك اللحظة. وبلغ مجدها إحدي الذُرى سنة 1926 عندما صدرت لها رواية The Murder of Roger Ackroyd، والحقيقة أن هذه الرواية نالتْ شهرة طاغية لمستواها المحكم، وأيضًا لأنها اقترنت بحادثة شخصية في حياة أجاثا كريستي نفسها، حيث أنها اختفتْ لمدة عشرة أيام، وقيل أن السبب يعود لاكتشافها خيانة زوجها لها.

.. وانهمر السيل!

 كانت أجاثا تتمتع بملاحظة دقيقة لما حولها، ولأنها قابلت الكثير من الشخصيات؛ فقد استفادتْ منهم في خلق شخصياتها. لدينا شخصية هركيول بوارو التي تكلمنا عنها سابقًا، والتي سنأتي على ذكرها مرة أخرى بعد قليل.

هناك مس ماربل، العجوز فائقة الذكاء، والتي تحلُّ قضايا معقدة( وهى شخصية مفضلة لأجاثا)، وأيضا باركر باين، والذي افتتح مكتبًا ليقدم السعادة للمحرومين منها!

الحقيقة أن أجاثا كتبت كثيرًا جدًا، وكتبتْ كل شيء؛ روايات، قصص قصيرة، قصائد، سيرة ذاتية، حتى أنها كتبت روايات عاطفية!

وكتبت مسرحيات أيضًا!

مسرحيتها الشهيرة” مصيدة الفئران” بدأ عرضها منذ فترة الخمسينات، وحتى 2020، ولك أن تتخيل أنها مسرحية جريمة، وأن البطل يخرج في نهاية كل عرض يرجو المشاهدين ألا يفشوا سرّ القاتل في المسرحية!

كانت خلاياها شبيهة بخلايا مخبرها البلجيكي الأشهر هركيول بوارو؛ حيث كانت تفكر، وتحلل، وتكتب ملاحظاتها في دفاتر، وكانت تعيش داخل مطبخ عملاق لا يكفُّ عن الهدير!

وبمناسبة هركيول بوارو؛ فهناك من يقول بأنها قد كرهتْ هذه الشخصية!

نعم، أنت لم تخطيء القراءة.

لقد بلغتْ الشخصية أوج الشهرة، وبالتالي فهي كرهتْ هذه الشخصية، وهي ذات العقدة التي وقع فيها كاتب جريمة آخر لا يقل شهرة؛ هو السير آرثر كونان دويل، والذي ضجر من شهرة بطله شرلوك هولمز، وقام بقتله، لكن تحت ضغط رسائل القرّاء الجارفة اضطر لإعادة للحياة. ما فعلته أجاثا؛ هو أنها كتبتْ الرواية الأخيرة لهركيول بوارو، والتي سيقضي فيها نحبه، قبل وفاتها هي بثلاثين عامًا، ووضعتها في قبو بنك، لكنها لم تجرؤ على نشرها إلا في شهر سبتمبر عام 1975، والغريب يا صديقي أن أجاثا ماتت بعد عام بالضبط، في شهر سبتمبر أيضًا عام 1976!

يُقال بأنها كتبت هذه الروية حتى تضع نهاية مناسبة لسلسلة روايات بوارو، وقيل أيضًا أنها كانت تقطع خط الرجعة على أي أحد، حتى لا يكتب روايات أخرى تحمل اسم شخصيتها هريكول بوارو.

فهل تحققت رغبتها؟

بوارو يُبعث من جديد!

 صوفي حنا كاتبة إنجليزية من مواليد 1971، والتي عرضتْ على ورثة أجاثا كريستي أن تستعين بهركيول بوارو في روايات جديدة، وقد سمحوا بها بذلك. والحقيقة أن بعث شخصيات من الرماد على أيدي كتّاب آخرين جدد ليست غريبة على الأدب الغربي؛ فسنجد أن هناك روايات جديدة ظهر فيها شرلوك هولمز مثلا.

المهم أن الورثة قد وافقوا، وهكذا عاد هركيول بوارو للحياة على يد صوفي حنا في أربع روايات جديدة بدءا من عام 2016، وحتى 2020.

شيء مدهش أن تكون للشخصية الخيالية قوة مناهضة للفناء، برغم عدم وجودها فعليًا، بينما مبتكرها الأصلي يواري التراب!

قياسي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s