غير مصنف

حين تمنحك الكتابة بعض المُكافآت!

في البدء كانت الكلمة

والكلمة- عزيزي القاريء، وعزيزتي القارئة- هي وحدة بناء الجملة، والجملة هي وحدة بناء الفقرة، والفقرة، هي وحدة بناء الفصل، والفصل هو وحدة بناء الرواية.

الكل يبدأ بكلمة.

لكن هل الأمر بهذه البساطة؟

أيها الداخلون: اتركوا ورائكم كل أمل

هذه الجملة موضوعة على باب الجحيم، عندما قرَّر دانتي ألجييري أن يدخله. ليس حقيقة بالطبع، ولكن من خلال الورق، وهو يكتب ملحمته الشهيرة، حيث يتخيل أنه يذهب للعالم الآخر، ويرى المطهر والفردوس والجحيم.

لكن هل الكتابة جحيم؟ الكتابة صعبة دون شكّ، صحيح أن هناك بعض المؤلفين كانوا يستمتعون بالكتابة، ويتحاورون مع شخصيات رواياتهم، كما حدث مع دوما، والذي سمعه خادمه يضحك مرة، وعندما استفسر عن سرّ ضحكته أخبره أن أحد شخصيات روايته قال طُرفة أضحكته!

لكن الكتابة صعبة، مرهقة، تستنزف أعصاب الكاتب، وتحرقها لو جاز التعبير، وبرغم هذا؛ فثمة مكافآت تتناثر على جانبي الطريق.

العبرة بالرحلة، وليس الوصول

أثناء الكتابة أشعر بدهشة بالغة من نفسي. أحيانًا أريد السير في طريق، لكني أُفاجأ بأن ثمة طريق آخر منزوٍ في الظل، ويحتاج منى لاستكشاف.

أحيانًا أسير في العتمة، وأتخبّط فيها بعشوائية، دون أن أعرف كيف ينتهي الفصل، وأُفأجأ أن ثمة نهاية غير متوقعة تنتظرني. بل أجد أن  ثمة مشاهد لا بد أن تُكتب بطريقة معينة، حتى تُعطي تأثيرًا ما في مكانٍ آخر من الرواية.

أنت تكتب، وأثناء كتابتك تكتشف الشخصيات، ودوافعها الخفية والمعلنة. حسنًا، في الواقع أنت تكتشف نفسك أيضًا. الكتابة أشبه بالطبيب النفسي الذي يجلس إليك، ويستمع لمشاكلك، ويستفزك، ويراوغك، حتى يصل لأعمق أعماقك، ويستخرج خباياك، ترسباتك القديمة.

أنت تدفع للطبيب النفسي في الحقيقة، لكن الكتابة تعطيك، ومن الممكن أن تربح من خلالها أيضًا؛ أي أنك تكشتف نفسك، وتغدو شيئًا أفضل، ولن يكشتف أحد أمرك أو حقيقتك، وفوق كل هذا وذاك تأخذ نقودًا.

أليس هذا شيئًا عظيمًا؟

مكافآت أخرى تنتظرك

من المكافآت التي تعطيك إياها الكتابة؛ بخلاف الشهرة والمال- وهو ليس شيئًا حتميًا كما تعرف؛ نظرًا لتعقيد عملية النشر في عاملنا العربي- أنك تترك خلفك إرثًا، كلامًا نافعًا، شيئًا يستنفع الناس به من بعد رحيلك.

ما أعجب الكلمات!

إنها تصنع عوالم، وتخلق أراضٍ مجهولة منسية، وترسم قصصًا بالغة الجدّة والتشويق والجمال.

قد تترك العالم المادي كما هو، وكما يتبدي للعين، لكنك تترك بصمتك داخل الأحياء الذين يقرؤون كلماتك، ويتأثرون بها، ويؤثرون على غيرهم، الذين-بدورهم- يؤثرون على غيرهم، وهكذا.

بذرة سحرية، تنتقل من إنسان لإنسان، تٌزهر هنا وهناك، وتنبثق منها آلاف الأشجار العملاقة، وربما لآخر الزمان!

وللكتابة مُكافآت أخرى. عليك فقط أن تكتشفها بنفسك.

قياسي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s