سِرُّ الحكاية، وهل يمكن أن يأتي وقت تكسد فيه الرواية؟

سِرُّ الحكاية

وللحكاية سِرٌّ لا أعرفه، لكنه موجود هنالك، يمكنك معرفة ذلك من تقصّي تاريخها منذ بداية تاريخ الكتابة المعروف؛ فنحن نقرأ الآن الإلياذة والأوديسة والإنيادة، ويمكنك أن تضمَّ إليهما القصص الفرعونية القديمة، ثم عندما تتقدم قليلا في مسار الزمن للمستقبل؛ ستقابل ألف ليلة وليلة؛ هذا الأثر العربي العملاق الذي أثرَّ على الكثيرين من المؤلفين والقراء في أرجاء الأرض بترجماته الكثيرة، وهذا الأثر العجيب يستحق مقالة ضافية منفصلة هاهنا.

ثم ينفجر سيل الحكايات التي تتنوع بين قصص وروايات وملاحم؛ فلدينا حكايان إيسوب، وكليلة ودمنة، ثم سنمرُّ في رحلتنا برائعة ثربانتسدون كيخوته“، وأعمال ديكنز العملاقة، والتي كانت تُنشر مسلسلة على صفحات الصحف والمجلات، والذي يمكنك أن تعتبره تليفزيون العصر الفكتوري دون منازع.

طبعا فكرة أن ننتبع سيل الحكاية المتفرع هذا هي من الاستحالة بمكان، لكن يُفرض سؤال هنا: لماذا تحوز الحكاية على كل هذا الاهتمام؟

في سوق النشر ستجد أن الرواية هي الأكثر رواجا وبيعا، ومن بعدها القصص القصيرة، ولكل فن محبيه ومريديه، ولا يمكن أن نُعلِّي من فن على حساب الآخر؛ فكلاهما ينطلق من فكرة الحدوتة، التي نتلهف لإكمالها حتى نعرف النهاية.

للحكاية سحر لا يمكن إنكاره؛ فعندما يجتمع الرجل بثلة من المستمعين وهو يعزف على الربابة حاكيا قصة أبو زيد الهلالي، أو الأميرة ذات الهمة، أو عندما يعكف نجيب محفوظ على كتابة الحرافيش؛ فهناك شيء ما غامض يؤثر في النفوس يجعلنا نتشوق للمعرفة والإكمال. آه من فضول البشر الذي لو لم يرتو؛ فتلك كارثة محققة.

محاولة متواضعة لفكِّ سرِّ الحكاية

وللحكاية سِرٌّ لا أعرفه، لكنه موجود هنالك، لكننا يمكننا أن نخمن قليلا يا أصدقائي.

لا بد أنك مررت بهذه التجربة يوما؛ فأثناء وجودك في منزلك وأن تحدق في البلاط الذي يغطي الأرض المتربة، ستلمح أشكالا على هيئة رءوس وأجسام وغيرها.

عندما تنظر للسحاب ولو أطلت النظر؛ فيمكنك أن ترى بعض الأشكال والرءوس أيضا. يُقال بان العقل يكره الفجوات؛ فيملأها من عندياته بما يُمكن أن يُفسر ويكون واضحا.

لو ركزت قليلا؛ فستجد أن هذا هو سر الحكاية الأكبر. البطل الذي نحب ونتتبعه نريد أن نعرف مصيره، وما الذي سيحدث له في رحلته هذه.

الفضول قتل القط كما يقول الإنجليز، وفكرة أن تقول لأحدهم معلومة ناقصة ثم تسكت بغموض وأنت تبتسم؛ كفيلة بأن تجعل المستمع إليك يُجنُّ، وربما يمدّ يده معتديا عليك من شدة غيظه.

لهذا يمكنك أن تتفهم كيف يمكن أن يعتدي صديق على صديقه لمجرد أنه حرق له رواية ما، أو فيلما ما. من يحب شيئا ما يريد أن يواصل الرحلة مع بطله، يواجه ما يواجهه؛ لهذا يرفض أن يحرق له أحدهم الأحداث في سطرين.

سِرُّ الحكاية، أو سِرُّ نديم شوكت

وللحكاية سِرٌّ لا أعرفه، لكنه موجود هنالك، يمكنك معرفة ذلك من تتبع حكاية نديم شوكت نفسه. ونديم شوكت هذا هو بطل روايتي الأخيرة” لمسة الهلاك”، والذي كان يعالج مرضاه بسرد الحكايات. نعم، كما سمعت؛ هو يعالج مرضاه بسرد الحكايات.

يوجد مشهد في الفصل  الثاني من الرواية( التي يمكن أن تقرأوها بشكل مجاني من خلال هذا الرابط) عندما يتقابل نديم شوكت مع والد فتاة تمرُّ بظروف صعبة، والمفترض أن نديم سيقوم بحكي حدوتة على مسامع الفتاة، حتى تُشفى من مرضها النفسي الغامض. أبو الفتاة يعلن عدم تصديقه وفهمه، وهنا يقول له نديم شوكت:

“هناك لغزٌ مستغلقٌ في الحكاية منذ قديم الزمان، هناك شيء ساحرٌ يجعل الجميع يتوق لسماع المزيد، قراءة المزيد، رؤية المزيد، ربما هي الرغبة في المعرفة، الفضول الذي لا يرتوي، أن نشعر بما يشعر به أبطال خياليون في عوالمهم. لا أحد يعرف تحديدا. لكن هناك دراسات تتحدث عن الأثر البالغ الذي تصنعه الروايات مثلا في المخ، المسارات الجديدة التى تخلقها، هناك تأثيرٌ ما بطيء، تحت قشرة الوعي الإنساني تُحدثه الحكايات. كمّ من عالمٍ تأثر بقصة خيال علمي مثلا وسعى لتحقيقها؟ الحقيقة أن الحكاية هي القائدة في دياجير الظلام، يتبعها الجنس البشرى بافتتان، يحترقون بلهبها، ويغترفون من منهلها، كلٌ على حسب طاقته واستعداده”.

ربما لهذا السبب لا يمكن لسوق الرواية ألا يكسد، ودوما ستجد محبيها ومعجبيها والباحثين عنها، أيا كان نوعها.

على الهامش: إذا كنتم من محبي العلوم والخيال العلمي؛ فأدعوكم لقراءة مجلة” علم وخيال”، والمتاحة مجانا على هذا الرابط.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s